الوقت- إن عملية انتخاب الرئيس العراقي، التي يفترض أن تكون، وفقاً للدستور، حلقة الوصل في تشكيل الحكومة، لا تواجه تباطؤاً حاداً فحسب، بل تُظهر أيضاً مؤشرات واضحة على جمود عملي؛ جمودٌ عجزت حتى جهود الشخصيات البارزة في "الإطار التنسيقي الشيعي" للتوسط وكسر الجمود بين الحزبين الرئيسيين في كردستان - الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) والاتحاد الوطني الكردستاني (يكيتي) - عن كسره. لم تُسفر الزيارة الأخيرة لوفد شيعي برئاسة شياع السوداني، رئيس حكومة تصريف الأعمال، إلى أربيل عن انفتاح حقيقي، بل كشفت عن عمق الخلافات البنيوية والتآكلية داخل المجتمع الكردي.
ووفقًا للآلية المُعتمدة منذ عام ٢٠٠٥، فإن تشكيل الحكومة في العراق يتم وفق سلسلة من الخطوات: أولًا، يُنتخب رئيس البرلمان من بين السنة، ثم الرئيس من بين الأكراد، وأخيرًا، يُعيّن المرشح الشيعي لتشكيل الحكومة. ورغم أن السنة قد تجاوزوا هذه المرحلة فعليًا بانتخاب هيبة الحلبوسي، وتوصل الشيعة إلى اتفاق نسبي في إطار التنسيق بشأن ترشيح نوري المالكي مرشحًا رئيسيًا للائتلاف الحاكم، إلا أن الجمود الرئاسي حال دون تقدم هذه السلسلة برمتها. ولن تُفضي هذه النجاحات النسبية إلى أي نتيجة ما دامت الخلافات الكردية قائمة، ويبقى تشكيل حكومة جديدة أمرًا مستبعدًا في المستقبل القريب.
المأزق الكردي.. اتفاقٌ لم يعد قائماً
تكمن المشكلة الرئيسية في إقليم كردستان في غياب إطار اتفاقٍ موثوق بين الحزب وحكومة الوحدة الوطنية. فعلى مدى سنوات، تراكمت الأزمات السياسية والإدارية والمالية في كردستان دون أي حل. وبعد مرور 15 شهراً على الانتخابات الإقليمية، لم يتم تشكيل الحكومة المحلية، وتتمثل المشكلة الأكبر في تأخر صرف رواتب الموظفين الذين لم يتسلموا آخر راتبين لهم في عام 2025، وأكثر من 30 راتباً على مدى السنوات العشر الماضية. ومنذ تأسيس السلطتين التشريعية والتنفيذية عام 1992، لم يشهد إقليم كردستان العراق مثل هذا التأخير في تشكيل حكومته المحلية، وهي حكومة تنتظر تشكيلها منذ أكتوبر 2024.
وقد فقدت الاتفاقات التقليدية السابقة، التي بموجبها مُنح منصب رئيس الجمهورية العراقية للاتحاد الوطني، وفي المقابل مُنح رئاسة إقليم كردستان للحزب الديمقراطي، مصداقيتها السياسية منذ سنوات. يرى الحزب الديمقراطي، مستندًا إلى أغلبية مقاعده في البرلمان العراقي، أنه الأجدر بتولي الرئاسة، مع أنه أعلن في هذه المرحلة استعداده للانسحاب من ترشيح أي مرشح رئاسي إذا وافق الاتحاد الوطني على تفعيل البرلمان الإقليمي وانتخاب مسرور بارزاني رئيسًا للوزراء ونيجيرفان بارزاني رئيسًا للإقليم، ليتمكن الاتحاد من ترشيح مرشحه المفضل، نزار عمادي.
إلا أن الاتحاد الوطني يعتبر هذا الاتفاق غير كافٍ. فهو لا يكتفي بالحفاظ على الرئاسة، بل يطالب أيضًا بتوزيع متوازن للمناصب في حكومة أربيل المحلية، ولا يرغب في التنازل عن زمام السلطة في الإقليم لمنافسه اللدود حتى مقابل تنازل كبير.
يشغل الحزبان معًا 62 مقعدًا من أصل 100 في البرلمان الإقليمي، ويتمحور الخلاف حول توزيع المناصب الرئيسية في الحكومة الإقليمية الجديدة، بما في ذلك مناصب رئيس الوزراء والرئيس ووزير الداخلية. تتعلق نزاعات أخرى بإدارة الوزارات، وبعض المنظمات، والبعثات الدبلوماسية، وعائدات النفط، والمعابر الحدودية، والرواتب.
وتتضاعف أهمية هذا المنصب نظرًا لوجود جزء كبير من موارد النفط والغاز في الإقليم ضمن ما يُسمى بـ"المنطقة الخضراء" وفي نطاق نفوذ الاتحاد الوطني التقليدي؛ وهي مناطق اكتسبت مؤخرًا ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا أكبر مع فوز الحزب بمنصب محافظ كركوك المحوري.
بغداد، المركز الجديد لصنع القرار الكردي
كان لعجز أربيل والسليمانية عن حل نزاعاتهما الداخلية تداعيات تتجاوز الخلافات الحزبية، إذ نقل فعليًا مركز صنع القرار الكردي من الإقليم إلى بغداد. واليوم، لا يُحسم مصير أهم منصب ذي حصة كردية في الاجتماعات الداخلية للأحزاب الكردية، بل في معادلات البرلمان الاتحادي والتحالفات القطاعية في العاصمة. وقد أضعف هذا التحول موقف الأكراد التفاوضي، وجعل أيدي القوى الشيعية والسنية أكثر انفتاحًا من ذي قبل للعب دور الوساطة، بل والحسم أحيانًا.
في غضون ذلك، يأمل الاتحاد الوطني، الذي لطالما تميّز بعلاقات وثيقة مع الحركات الشيعية في إطار التنسيق، أن تُساعده هذه العلاقات على الاحتفاظ بالرئاسة دون تقديم التنازلات المتوقعة من البارتي. إلا أن خطوة مسعود بارزاني المفاجئة بتشكيل تحالف تكتيكي مع نوري المالكي قد قلبت الموازين لصالح الاتحاد. فبينما قد تتضاءل فرص الحزب الديمقراطي في حصول مرشحه على أغلبية الثلثين في البرلمان، يواجه الاتحاد أيضاً تحدياً جدياً في انتخاب نزار عمادي، وقد يُضطر إلى تقديم مرشح بديل مثل عبد الكريم رشيد.
انقسام داخل الاتحاد، فرصة سانحة للحزب
يمثل هذا السيناريو، من وجهة نظر الحزب الديمقراطي، فرصة استراتيجية. إذ يعتقد الحزب أن تعزيز شخصيات مثل عبد الكريم رشيد قد يُخلّ بالتوازن الداخلي للقوى في الاتحاد الوطني، ويزيد من ثقل قادة الحزب التقليديين والتاريخيين في مواجهة بافل طالباني، وهو اتجاهٌ شهد أمثلة واضحة في الماضي. فقد أظهر صعود برهم صالح إلى السلطة ثم انسحابه من الاتحاد، وطرد لاهور شيخ جنغي، وحتى المثال الأقدم المتمثل في انفصال نوشيروان مصطفى وتأسيس حركة التغيير، أن الاتحاد الوطني مُعرّضٌ باستمرار لانقسامات داخلية؛ انقساماتٌ أدت تدريجيًا إلى تآكل قدرته التفاوضية أمام الحزب الديمقراطي.
أزمة تتجاوز الأسماء
لم يعد المأزق الحالي في انتخاب رئيس مجرد مهمة قانونية مؤجلة، بل أصبح رمزًا لأزمة أعمق تتمثل في غياب التوافق، وعدم فعالية نظام الحصص العرقية والدينية، وتآكل الشرعية السياسية. يتزامن هذا الوضع مع تزايد ضغوط الولايات المتحدة لتسريع تشكيل حكومة "مستقلة عن نفوذ الجماعات المسلحة"، وربط الدعم الدولي بتشكيل سلطة تنفيذية متماسكة. في ظل هذه الظروف، يعني كل يوم تأخير استمرار حكومة تصريف الأعمال، مما يُعمّق الفراغ التنفيذي ويُفاقم الشلل الإداري والاقتصادي والأمني الذي يُعاني منه البلد.
